قطرة ... تروي الأذهان  
 
ســـين جيـــم ~ ما هي السحب ؟؟


 

ما هي السحب ؟؟

 

استطاع العلم أن يغزو معظم جوانب الكون ويتغلغل في كل زاوية محللاً ومستقرئاً ومستنتجاً، فيحقق انتصاراته الباهرة في مجالات الحياة كلها، والعقل ذلك العضو الفريد، يغذيه ويرفده بقوام التمعن والإدراك والمقارنة، من أجل المعرفة الحقة الخالدة.

والسحب نموذج فريد من نماذج الدراسة .. تلك الغلالات الرقيقة التي تملأ جو الأرض وتضفي عليه الوقار والهيبة أحياناً والعبوس والتجهم أحياناً أخرى ..

وفي أغلب أيام السنة تظهر في الجو بألوانها المتعددة وأشكالها الحافلة بالطرافة في الشتاء أو في الخريف أو الربيع وحتى في الصيف، وحيال تعلقها الكبير بحياتنا وأثرها الكبير في المناخ الذي نعيشه، كان خليقاً بنا أن نتعرف عليها وأن نجيب عن التساؤلات المطروحة عنها، ولا ريب في أن ذلك يقتضي بحثاً طويلاً إنما لا يمنع من أن نأخذ فكرة مجملة عن معظم جوانب هذا الموضوع الهام والطريف.

السحب كتل من مادة مرئية تطفو في الهواء العالي، وتتكون من عناصر دقيقة من قطيرات الماء أو بلورات الثلج أو من خليط منهما، وهي تطفو محمولة على الهواء الذي يملأ جو الأرض يحملها برفق حيناً وبقسوة أحياناً أخرى، وينقلها من مكان لآخر، وفق نظام متعلق بدوران الأرض وبالمناخ في مناطقها المختلفة.

ولعل أول من تطرق لموضوع دراسة السحب العالم الفرنسي الكبير لامارك عام (1802) حين نشر قائمة بأنواعها وعرف كل نوع حسب وجهة نظر معينة، وأصدر تلك القائمة باللغة الفرنسية وقد لاقت صدى هائلاً، على الرغم من أنها تخلو من التوضيح والشرح .. وتبعه "لوك هوارد" عام (1803)، حين نشر أسماء أنواع السحب المختلفة بطريقة منظمة استخدمت أساساً لجملة التصنيفات التي تلتها فيما بعد. ‏

وفي عام (1840) أضاف "كيمنس" أنواعاً أخرى للقائمة ثم قسمت السحب عام (1855) الى مجموعتين، المجموعة الأولى دعيت بـ"السحب المسطحة الحاجبة"، والمجموعة الثانية دعيت بـ"السحب المتوسطة بين عالية ومنخفضة" .. ووضعوا أسساً معينة للتمييز بين السحب الثلجية (المكونة من بلورات ثلجية) والسحب المائية (قطيرات ماء).

وتتابع العلماء في دراستها يحللونها ويكشفون عن ماهيتها حتى عام (1891) حين انعقد المؤتمر الدولي في ميونيخ واتفق العلماء فيه على تقسيم أنواعها تقسيماً مختلفاً، ونشر في ذلك العام أول مصور دولي للسحب طبع عدة مرات حتى عام (1922) حين شكلت لجنة دولية وكلت إليها مهمة تحضير مصور جديد .. منظم ومبوب يحوي إضافات كثيرة مع شروح مطولة ومبسطة لما يتعلق بالسحب بأنواعها المختلفة، واستطاع العلماء في السنوات الأخيرة بفضل التقدم التكنيكي العلمي الهائل أن يتعرفوا على جوانبها ويفسروا كثيراً من أحاجيها وأسرارها. ‏

للسحب أنواع كثيرة .. منها العالية (على ارتفاعات بين ستة كيلومترات واثني عشر كيلو متراً) والمتوسطة (على ارتفاعات بين "1800" متر و"6000" متر) والمنخفضة (على ارتفاعات "1800" متر وما دون ذلك) ولكل من هذه الأنواع تكوينه الخاص وأشكاله.

والسحب بارتفاعاتها المتباينة يمكن تقسيمها إلى زمرتين :

  • الأولى تسمى "سحب سمحاقية" وهي سحب دقيقة منفصلة بيضاء كالحرير، لا تلقي على الأرض أي ظل مختلفة المظهر أحيانا بشكل خصل وأحياناً خطوط أو ريش طيور، وهي كما قلنا بدون ظل إلا عندما تتكاثف تكاثفاً كبيراً قبل تحولها إلى زمرة أخرى .. ومعظم سحب هذه الزمرة على ارتفاعات عالية. ‏

  • الثانية تسمى "سحب ركامية" وهي سحب سميكة بصفة عامة، بعض أنواعها يهطل منه المطر والبعض الآخر يهطل منه البرد والثلج، وهي آناً طبقية (بشكل طبقات) وطوراً معتمة أو شبه شفافة، أو متموجة، ولكل منها ميزاته الخاصة.

 

كيف تتكون السحب ؟؟

تتكون السحب عن طريق جزء من بخار الماء الذي يحويه الجو إلى حالة من السيولة أو الجمود، وقد يكون التحول في صورة قطرات ماء ناتجة عن تكاثف البخار، أو في صورة بلورات ثلجية ناتجة عن تكاثف شديد، وفي ضغوط منخفضة وبرودة.

ولكي تجري التحولات، لا بد من ظروف مناسبة، أي أن يكون الهواء مشبعاً ببخار الماء، أو في حالة قريبة من التشبع، كما أن استمرار التكاثف يتطلب أن يمد الهواء باستمرار بالبخار حتى يحتفظ بتشبعه.

ويمكن الوصول الى درجة التشبع المطلوبة بعدة طرق، تؤدي كلها إلى تبريد الهواء وإنقاص قدرته على حمل بخار الماء، وزيادة البخار إلى أقصى درجة، ففي عملية التكوين الحرارية الناتجة عن سطح الأرض المسخن بالإشعاع الشمسي إلى درجات متفاوتة من الحرارة، حيث يزداد دفء الهواء وينشأ في الجو عدم استقرار في الضغط والحرارة.

يؤدي ذلك الى تيارات نشطة صاعدة وهابطة، فيصعد الهواء الساخن حاملاً معه ذرات الماء إلى أعلى الجو، تاركاً مكاناً شاغراً، فيهبط هواء بارد من الأعلى ليحل مكانه، وينتج عن ذلك تيارات متعددة، إذا وصل الهواء المرتفع الساخن إلى علو كاف لإشباعه.

تتكون طبقة "عجاجية" هي مادة السحب الأولى، وتبدأ السحب عندها بالتكون، ويتوقف سمكها على رطوبة الهواء المرفوع واستقراره لأن عدم استقراره يؤدي إلى رفعه نحو الأعالي وبالتالي رفع السحب.

وعندما تأتي تلك السحب الممددة من الرطوبة، تتكاثف مكونة ركاماً (سحاب كثيف) ضحلاً، تتخلل هذا الركام أشعة الشمس عند الظهر، حيث يكون الإشعاع الشمسي في نهايته العظمى، أما إذا كان تشكل السحاب في المساء مثلاً، فإنه تتكون أنواع جديدة من السحب، الخليط من بلورات الثلج وقطيرات الماء التي تتحول بدورها إلى بلورات في درجة (-10) مئوية، وتشتد عندها الرياح وتتكون الزوابع المتعددة الاتجاهات، وإذا كان الظرف مناسبا لهطول مطر قد تحتك هذه السحب بعضها ببعض وتـُسمع أصوات قوية (الرعد) ونتيجة الاحتكاك تنطلق شرارات كهربائية سريعة (البرق والصواعق).

عندما يحدث الحريق في منطقة قابلة للاشتعال من سطح الأرض (مثل غابة كثيفة) وتندلع ألسنة اللهب، ويغطي الدخان الجو، في منطقة شبه باردة، ينشأ عن ذلك تيارات هوائية صاعدة قوية تحمل الدخان إلى الأعالي لمسافات كبيرة بسبب اختلاف درجات الحرارة، وقد تتشكل عند ذلك السحب الضخمة أو الضئيلة (حسب حجم الحريق).

كما أن احتراق كمية من الأخشاب يؤدي إلى انطلاق بخار الماء بكميات كبيرة قد تكفي لتكون سحباً ركامية،‏ ومن الجدير بالذكر أن المرتفعات والجبال تلعب دوراً مهماً في عمليات تكوين السحب، فكثيراً ما يؤدي وجود تلال ومرتفعات في طريق الرياح أن يصعد الهواء فوق تلك التلال أو المرتفعات، حيث يتمدد تمدداً كافياً يسمح بتكوين السحب، ويتوقف مدى رفع الهواء بهذه الطريقة على حدة الرياح، وارتفاع التل، ومدى انحداره.

وعندما يكون الهواء مستقراً ذا رطوبة نسبية عالية، تتكون سحب طبقية فوق قمم التلال، قد يؤدي التبريد بالملامسة بطريق غير مباشر إلى تكوين السحاب، فيتكون في البداية الضباب، ثم يرتفع نتيجة للتيارات الصاعدة الحرارية منها، أو الآنية وينتج عن ذلك سحب منخفضة، كما أن ضباب البحر الذي تدفعه الرياح إلى أرض الشاطئ أو أرض الجزر قد يرتفع حين اقترابه من الشاطئ مكونا السحب. ‏

أما السحاب الاصطناعي فيمكن تكوينه بطرق مختلفة منها "طريقة الطائرات"، والطائرات المستعملة لهذه الغاية إما مروحية أو نفاثة، ففي المروحية ترتفع الطائرة في الجو وتشكل دوامات هوائية عند جناحيها وعند مراوحها، تكفي هذه الدوامات لينخفض الضغط، الأمر الذي يؤدي إلى تبريد الهواء لدرجة تكفي لإحداث التكاثف في قطيرات الماء أو تشكل بلورات ثلج، إلا أن السحاب الذي يتكون بهذه الطريقة قد لا يستمر طويلاً، وأحياناً لا يستمر حتى نصف ساعة. ‏

أما الطائرات النفاثة، فإن المواد التي تطلق من مدخنتها قد يضاف اليها أحيانا مواد تساعد في تشكل السحاب الذي يتكون خلال فترة قصيرة وقد لا يدوم طويلاً أيضاً. ‏

وإذا حدثت هذه العملية فوق سطح الأرض يتكون منها ما يسمى الضباب الاصطناعي، وهو يحدث بين حين وآخر في الدرجات المنخفضة وعند ازدياد الرطوبة النسبية. ‏

أما عن هطول المطر، فلا يهطل المطر من أنواع السحب جميعاً، فالسحب السمحاقية بمجملها ليست سحباً هطالة، وبعض الأنواع العالية من السحب الرقيقة المكونة من بلورات ثلجية قد يكون الهطول منها على شكل حبات متفرقة من الثلج تصل منها إلى الأرض كميات ضئيلة من المطر الذائب أو من بقايا البلورات الثلجية، وهناك أنواع من السحب تنمو في اتجاه رأسي يسقط منها المطر على شكل زخات أما السحب المنتفخة الكثيفة فتهطل منها أمطار غزيرة وهذا النوع هو الوحيد الذي يهطل منه البرد الحقيقي. ‏

ويتكون البَرد من قطيرات من المطر الهاطل تقع في تيار صاعد يرفعها داخل السحب في مستويات أعلى وأبرد فتتجمد، وإذا ظلت في التيار الصاعد تلتقط قطيرات تعلق فيها وتتجمد مكونة بلورات ثلجية كبيرة وهكذا .. وحين تسقط تكون متمايلة كندف القطن الخفيف تتلاعب بها الرياح، وقد تنصهر قبل وقوعها على الأرض أو تسقط على شكل حبة برد، يتفاوت حجمها عن حجوم الحبات الأخرى. ‏

أما هطول المطر المكون من قطيرات الماء، فيبدأ حين تتكاثف السحب وتتجمع القطيرات مكونة قطرة كبيرة تنفلت تحت تأثير الجاذبية نحو الأسفل، وتكون هذه القطرات أحياناً كثيرة، ويكون المطر الهاطل غزيراً ومستمراً لفترة طويلة. ‏

وعن السحب وحوادث الطيران، تؤثر السحب في جميع عمليات الطيران، ففي الطائرة أجهزة تنبئ عن الطقس الذي تتدخل السحب في حالته بشكل كبير، ويضع الطيارون الخطط على أساس تحاشي وقوع الاصطدامات الجوية أو الوقوع في منخفضات جوية عالية، تكون الزوابع فيها على أشدها تتلاعب بالطيارة حتى تسقطها متحطمة، وما الضباب الذي تشكو منه المطارات سوى سحب منخفضة، يؤدي إلى وقوع حوادث كثيرة تودي بمئات الضحايا. ‏

وقد تقدم علم الأرصاد الجوية في مجال التنبؤ بالطقس، والكشف عن المنخفضات الجوية وإزالة العراقيل التي تعوق الطيران، ومعرفة السحب التي تسبب الكوارث.

 

أشكال السحب كثيرة ومتنوعة

وتتخذ السحب ـ حسب قسميها المختلفين «السمحاقية والركامية» ـ أشكالاً عديدة متنوعة، فللسمحاقية الرقيقة البيضاء الناعمة أشكال كثيرة ومعظمها لا يلقي ظلالاً على الأرض، أحياناً تكون بشكل خيوط منحنية أو مستقيمة متجمعة إلى جانب بعضها، وأحياناً بشكل خطافات ذات نهايات مدببة أو طويلة كالخصل. ‏

وهناك سحب تظهر عند الغروب وتكون أحيانا ملونة، وهناك أيضاً طبقات منتظمة من السحب الركامية المنخفضة تظهر بعدة أشكال أيضاً، وأحياناً يتشقق انتظامها، وتتمزق وتبدو بسبب انخفاضها سريعة الجريان. ‏

وهناك "المزن الركامي" : وهي سحب منخفضة يهطل منها المطر، تكون معتمة عادة تتخذ مظاهر غريبة وأحياناً تبدو وكأنها مضاءة من الداخل، تنمو في اتجاه رأسي، ويسقط منها الثلج والمطر بغزارة، وتتخذ شكل السندان، يتألف رأسها من بلورات من الثلج، وهي أكثر الأنواع شيوعاً وتميزاً، وعندما تنفصل القمة السندانية عنها تتحول إلى سحاب رعدي ترافقه العواصف وتتخذ أحيانا شكل القلنسوة أو شكل القوس أو ما يسمى بالسحب الثدية. ‏

وللسحب الركامية المتوسطة الارتفاع أشكال تشبه الأشكال السابقة، تتجمع بشكل خيوط متماوجة أو معتمة يهطل منها الثلج والمطر بشكل رذاذ بسيط، وعندما تتكاثف تهبط متحولة إلى سحب منخفضة تسمى الركام المنتفخ، الذي هو تجمعات السحب في جو بارد وتعكس هذه التجمعات على حوافها قدراً كبيراً من أشعة الشمس. ‏

وهناك أشكال خاصة من السحب، هناك سحب عدسية ذات أشكال مميزة رقيقة الحواف، تظهر على شكل (عدسة) تـُعرف أحياناً لسرعتها باسم (أميرة الريح) وهي شبيهة بالمغزل تظهر على مختلف الارتفاعات، تبدو أحياناً في لون الصوف الأبيض. ‏

وهناك سحب شريطية تشبه الأعلام التي ترفرف على قمم الجبال وتدل على مواقع التلال عند عدم رؤيتها بسبب انخفاضها عن مستوى الأفق.

ويوجد أيضاً نوع خاص من السحب يضيء في الليل وهو سحب عالية تنشأ على ارتفاعات تقرب من /80/ كيلومتراً تشبه إلى حد كبير السحب السمحاقية، تبدو ملونة، تقع عليها بسبب علوها الشاهق أشعة الشمس بعد هبوطها تحت الأفق بفترة طويلة فتضيئها.

أما السحب الصدفية التي تتخذ شكل أصداف البحر، فتظهر بألوان زاهية، تضيئها الشمس أيضاً للسبب ذاته.

وقد استرعى حديث الأطباق الطائرة اهتمام الناس بعد الحرب العالمية الثانية أي بعد تفجير القنبلة الذرية وتكهن الكثيرون عنها، كانت تـُرى أحيانا بشكل مجموعة من الطائرات غير مألوفة الشكل تطير فوق الثلوج على قمم الجبال، طيراناً متتابعاً ومنتظماً، مسطحة أشبه بالأطباق تعكس ضوء الشمس، وتتحرك بسرعة غريبة، وليست سوى سحب عدسية تظهر بمجموعات فوق الجبال الثلجية .. !!

 

 


 

 

© شبكة قطرة 2007 - 2008 ~ جميع الحقوق محفوظة